ملخص السيرة النبوية

 

image193-2.gif

ملخص السيرة النبوية:الرسول محمد صلى الله عليه و سلم

محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن حريمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وعدنان من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام

وأما أمه: فهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة

ولد صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة في يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول عام الفيل، أي في العام الذي أهلك الله فيه أبرهة الحبشي وجيشه الذين قدموا لهدم الكعبة بيت الله الحرام وكان من النصارى، سنة 570، لميلاد السيد المسيح، وهذا ما ورد في أغلب المصادر التاريخية الموثوقة، وإن كان بعض العلماء يرى أن النبي صلى الله عليه و سلم ولد سنة 571، فلا أعُد هذا خلافاً، إذ يبدو لي أنه ولد في أواخر سنة 570.

وقد أرضعته أمه صلى الله عليه وسلم ثم ثويبة مولاة أبي لهب، ثم أرضعته حليمة السعدية بلبن ابنها عبدالله وبقي في البادية في بني سعد حتى بلغ الفطام فجاءت أمه لتأخذه ولكن مرضعته حليمة السعدية عملت على إقناع أمه أن تتركه لما كانت ترى من بركته قالت فكلمنا أمه وقلت لها: لو تركت بني عندي حتى يغلظ فإني أخشى عليه وباء مكة، قالت: فلم تزل بها حتى ردته معنا. غير أنها لما وقعت له حادثة شق الصدر في السنة الرابعة أو الخامسة أرجعته إلى أمه بعد أن أخبرتها بالحادثة

وكان صلى الله عليه و سلم متوسط القامة، متوسط الوزن، ليس بالنحيف ولا الجسيم، عريض الصدر ضخم اليدين والقدمين، مبسوطين الكفين، كفّاه لينتان، قليل لحم العقبين، يحمل في أعلى كتفه اليسرى خاتم النبوة وهو شعرٌ مجتمعٌ كالزُّرِّ.

وصحَّ عن البراء رضي الله عنه  أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه و سلم أحسن الناس وجهاً، وأحسنه خلقاً ليس بالطويل البائن ولا بالقصير.رواه البخاري

شاء الله تبارك وتعالى أن ينشأ محمد صلى الله عليه وسلم يتيماً لأمر أراده الله سبحانه في إعداد هذا النبي الكريم ليكون رحمة للعالمين، فقد توفي أبوه وأمه لا تزال حبلى به، ولما بلغ السادسة من عمره توفيت أمه  فكفله جده عبد المطلب وكان يحوطه ويعتني به أكثر من بنيه لما يرى فيه من علامات الخير والبركة والنجابة. ولكن جده توفي وهوصلى الله عليه و سلم  في الثامنة من عمره فانتقل إلى عمه أبي طالب، وكان أبو طالب في معاملته له كجده عبد المطلب من الرعاية والعناية حيث ضمه إليه وقدمه على أولاده ، وظل أبو طالب أربعين سنة إلى جانب الرسول محمد صلى الله عليه و سلم  يبسط عليه حمايته ويصادق ويخاصم من أجله.

وفي شبابه عمل صلى الله عليه وسلم في رعي الأغنام وهذه سنة المرسلين من قبله كما قال صلى الله عليه وسلم: ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم فقال أصحابه وأنت قال:"نعم كنت

أرعاها على قراريط لأهل مكة"كما عمل صلى الله عليه وسلم بالتجارة مع عمه أبي طالب، وخرج معه إلى الشام وعمل كذلك في التجارة مع خديجة بنت خويلد واضطراره للعمل برعي الأغنام والمتاجرة لأنه لم يكن عمه غنياً بل كان كثير العيال قليل الحال، وهذا أمر أراده الله سبحانه لإعداد نبيه صلى الله عليه وسلم للرسالة، فقد نشأ أيضاً فقيراً يعاني متاعب الفقراء وحالهم كما قال سبحانه "وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى"لما بلغ الخامسة والعشرين من عمره وكان يعمل في التجارة بأموال خديجة بنت خويلد، وكانت امرأة حكيمة شريفة، وهي يومئذ أوسط قريش نسباً وأعظمهم شرفاً وأكثرهم مالاً ، فلما رأت من صدقه وأمانته وحصول البركة في أموالها عرضت نفسها عليه لتتزوجه وقد كان تقدم إليها أشراف من رجال مكة، ولكنها تأبى ذلك وآثرت أن تتزوج بمحمد صلى الله عليه وسلم. وكانت خديجة رضي الله عنها قد بلغت الأربعين من عمرها وهي ثيب وقد تزوجت قبل ذلك برجلين أحدهما أبو هاله بن زرارة التميمي وولدت له هنداً، والآخر عتيق بن عابد وولدت له هنداً كذلك  رزق الله تبارك وتعالى محمدا صلى الله عليه و سلم  من الأولاد قبل النبوة القاسم و عاش سنتين  وكان يكنى صلى الله عليه و سلم  به، ثم ولد له زينب ورقية وفاطمة وأم كلثوم، وبعد البعثة ولد له عبدالله وكان يسمى بالطيب والطاهر وأمهم جميعاً خديجة بنت خويلد، وقد عاشت حتى بلغت خمسة وستين عاماً، ولم يكن عنده زوجة غيرها طوال حياتها.وله صلى الله عليه وسلم ولد آخر هو إبراهيم وأمه مارية القبطية التي أهداها له المقوقس، ومات أولاده جميعاً في حياته صلى الله عليه وسلم إلا فاطمة، فقد تأخرت وفاتها بعده ستة أشهر ولما بلغ صلى الله عليه وسلم الأربعين من عمره وقد طهره الله من دنس الجاهلية فلم يعبد صنماً، وكان يقول لخديجة والله لا أعبد اللات والله لا أعبد العزى فحبب الله إليه الخلوة والبعد عن مجتمعه الواقع في الشرك والجاهلية وكان يخلو بغار حراء، وبينما هو في خلوته بغار حراء "فجاءه الملك فقال اقرأ قال ما أنا بقارئ، قال فأخذني فغطني حتى بلغ من الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ قلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ من الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم"، ولشدة هذا الموقف وهوله على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يواجه هذا الموقف الصعب بالملك لأول مرة، … فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده حتى دخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال: زملوني زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر لقد خشيت على نفسي قالت: كلا والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقرئ الضيف وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبدالعزى ابن عم خديجة وكان امرءاً تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمي فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى فقال له ورقة هذا الناموسالذي نزل الله على موسى يا ليتني فيها جذعاً ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك فقال صلى الله عليه وسلم أومخرجي هم، قال: نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي م بعد ذلك فتر الوحي وتأخر مدة لتسكن نفسه ويهدأ روعه ويذهب عنه الخوف وليحصل له الشوق إلى الوحي مرة أخرى، وفي هذه الفترة بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي إذ سمع صوتاً من السماء فرفع بصره فإذا الملك الذي جاءه بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فرعب منه فرجع يقول: زملوني فأنزل الله:"يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنذِرْ ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ"، فحمى الوحي وتتابع دأ محمد صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآيات عليه وبعد أن عرف أنه رسول الله إلى البشرية فبدأ يدعو إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له واستمر على ذلك ثلاث سنوات يدعو سراً كل من يثق به من أقاربه وأصدقائه، فكان أول من أسلم له ممن يعرفون صدقه وأمانته وهم ألصق الناس به فأسلمت زوجته خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، وأسلم صاحبه وصديقه أبو بكر الصديق رضي الله عنه وهو أول من أسلم من الرجال، وأسلم ابن عمه علي بن أبي طالب وكان لا يزال صبياً، وهكذا استمر الإسلام يزداد شيئاً فشيئاً حتى مر على ذلك ثلاث سنوات فأسلم له عدد لا بأس به من الرجال والنساء والصبيان والموالي م أنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم "وأنذر عشيرتك الأقربين"، فصعد جبل الصفا وجعل يهتف بهم أفراداً وبيوتاً حتى اجتمعوا إليه عند الصفا فقال لهم: "أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً ببطن هذا الوادي تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذباً. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد".

ومن هنا بدأ محمد صلى الله عليه وسلم يجهر بالدعوة وينشر دين الله شيئاً فشيئاً في المجامع والمواسم، وأهم أحداث هذه المرحلة ما يأتي:

معارضة الملأ من كفار قريش لدعوته صلى الله عليه وسلم أشد المعارضة واستخدام كافة الوسائل لمحاربته من سخرية واستهزاء وتكذيب وتعذيب لأصحابه ومعارضتهم للقرآن بأساطير الأولين وسعوا عند عمه أبي طالب لإيقافه ثم محاولة قتله مراراً والله تبارك وتعالى يحفظه ويعصمه ويدفع عنه أذاهم.

2- هجرة عدد من المسلمين الذين آمنوا معه ولم يطيقوا أذى قريش أن يهاجروا إلى ملك الحبشة مرتين، ورغم محاولة قريش لإرجاعهم إلا أن محاولتهم باءت بالفشل.

3- الحصار العام لبني هاشم في شعب أبي طالب في السنة السابعة من البعثة حيث قطعوا عنهم الطعام وهجروهم فلا يناكحونهم ولا يبيعون لهم أو يبتاعون منهم، وكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها بجدار الكعبة حتى بلغ بالمسلمين الشدة والجهد مدة ثلاث سنوات.

4- وفاة عمه أبي طالب في السنة العاشرة، ورغم أنه مات مشركاً على دين قومه وبذل معه النبي صلى الله عليه وسلم غاية جهده من أجل إسلامه حتى آخر لحظة في حياته لكنه أبى وقال:"هو على ملة عبدالمطلب"، وفي نفس العام توفيت زوجه خديجة بنت خويلد التي كانت تناصره وتعينه وتواسيه بمالها ونفسها، ولشدة حزنه صلى الله عليه وسلم لوفاة عمه وزوجه خديجة سمى ذلك العام عام الحزن .

5-  ورغم ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك الدعوة بل استمر يدعو إلى دين الله عز وجل ويتألم من كفر قومه، فلما رأى إصرارهم على الكفر خرج إلى الطائف في نهاية السنة العاشرة لعله يجد من يحميه ويستجيب لدعوته غير أنهم قابلوه بالأذى فرموه بالحجارة حتى أدموا رجليه فرجع حزيناً.

6-  الإسراء والمعراج حيث أكرمه الله تعالى به في هذه المدة العصيبة من مرحلة الدعوة وفقد المناصرة من أقاربه فأسري به إلى المسجد الأقصى ثم عرج بروحه وجسده إلى السماء وأراه الله من آيات ربه الكبرى وفرض عليه الصلوات الخمس .

7- إسلام نفر من أهل المدينة: وشاء الله تعالى لدينه أن ينتصر ولنبيه أن يخرج من هذه المرحلة العصيبة فجاء موسم الحج من السنة الحادية عشرة فعرض النبي صلى الله عليه وسلم دعوته على أهل الموسم ومنهم نفر من أهل المدينة الذين كانوا يسمعون عن قرب زمان نبي يخبرهم اليهود بذلك الخبر فسارعوا إلى الدخول في الإسلام بعد أن عرض عليهم الإسلام وقرأ عليهم القرآن. فرجعوا إلى المدينة وبدؤوا ينشرون الإسلام فيها فلم يمض عام حتى قدم منهم اثنا عشر رجلاً فأسلموا وبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الأولى وبعث معهم مصعب بن عمير يعلمهم الإسلام ويدعو من بقي إلى الدخول فيه فأسلم على يديه خلق كثير .

8- البيعة الكبرى: وفي العام الثالث عشر من البعثة وافى الموسم من أهل يثرب ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان فاجتمع بهم صلى الله عليه وسلم خفية وبايعهم على نصرته وأن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم أو أنفسهم وأبناءهم.

9- الهجرة إلى المدينة: ونظراً لاشتداد الأذى على المسلمين فقد استأذن بعضهم أن يهاجر إلى المدينة، فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجوا أرسالاً خفية قادمين على إخوانهم الأنصار فاستقبلوهم وآووهم ونصروهم وواسوهم وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وأبو بكر وعلى وبعض المستضعفين، وأرادت قريش أن تمنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الهجرة إلى المدينة واجتمعوا في دار الندوة وقرروا قتله أخيراً، فأخذوا من كل قبيلة شاباً قوياً وأعطوه سيفاً صارماً ليضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه بين القبائل، ولكن الله عصمه وحماه من شرهم وأعمى أبصارهم فخرج من بينهم سالماً فلم يروه وترك عليّاً على فراشه.  ولما علمت قريش بخروجه ونجاته منهم لم ييأسوا فبعثوا الطلب وراءه، وأعلنوا من يأتي برأسه فله مائة من الإبل، ورغم وصولهم إلى غار ثور الذي اختفى فيه هو وصاحبه وإدراك سراقة بن مالك أحد المطاردين له ولصاحبه إلا أن الله تعالى نجاه من كيدهم فجعل يقول لأبي بكر بثقة ويقين بوعد الله وهو في الغار "لا تحزن إن الله معنا" .واستمر في هجرته حتى وصل إلى قباء فنزل بها وأقام أياماً وأسس فيها مسجداً وهو المعروف اليوم باسم مسجد قباء وفيه أنزل الله تعالى:"لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ" ، ثم غادرها إلى المدينة فوصل في شهر ربيع الأول لأربع عشرة سنة مضت من بعثته صلى الله عليه وسلم، وهو العام الأول من الهجرة النبوية.

10- صفة المدينة: كانت المدينة النبوية تسمى قبل ذلك (يثرب) ولما هاجر إليها محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه سميت بالمدينة، وتقع المدينة النبوية في شمال مكة وتحيط بها حرتان هما حرة الوبرة من الغرب وحرة واقم من الشرق، وكان ذلك من أسباب تحصنها وهي مفتوحة من الجهة الشمالية التي حصنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق، وأما الجنوب فهي محاطة بأشجار النخيل والزروع الكثيفة، وكان أهلها أصحاب نخوة وإباء وفروسية وقوة وشكيمة ألفوا الحرية وعدم الخضوع لأحد، وكانت الحروب لأجل ذلك قد أنهكتهم وفرقتهم وكان ذلك سبباً في سرعة إسلامهم .

العهد المدني:

وبوصوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة واستقرارهم فيها بدأ العهد المدني ودخلت دعوته صلى الله عليه وسلم مرحلة أخرى من تشريع الأحكام ومجاهدة الأعداء، إذ لم يحصل أن رفع النبي صلى الله عليه وسلم السيف على أحد قبل ذلك، بل كل الذين أسلموا دخلوا في هذا الدين بإرادتهم واختيارهم وتحملوا من أجل ذلك صنوف وألوان التعذيب الحسي والمعنوي.

وأهم أحداث هذه المرحلة ما يأتي:

1- بناء المسجد:

سارع رسول الله صلى الله عليه وسلم فور وصوله إلى المدينة ببناء المسجد النبوي لأداء الصلوات والاجتماعات ونشر العلم واستقبال القادمين ومأوى للمهاجرين وغير ذلك من المصالح، فقد كان المسجد بمثابة الجامعة التي تعددت أغراضها وتخصصاتها.

2- المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار:

ومن تمام التأكيد على النصرة والمحبة والولاء بين المؤمنين، فقد آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين القادمين من مكة وبين الأنصار الذين هم سكانها الأصليون، وبمقتضى هذه المؤاخاة كل يرث الآخر إذا مات، وبلغ بهم من المحبة والتعاون والإيثار والنصرة ما يفوق الخيال.

3- معاهدة اليهود:

وكان مما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في أول أيامه بالمدينة أن عقد معاهدة مع اليهود الذين يسكنون في المدينة تقتضي الاشتراك في السكن داخل المدينة والدفاع عنها ضد أي اعتداء وعدم التعاون مع أي عدو يهجم عليها ويبقى اليهود على دينهم والمسلمون على دينهم وعلى كل نفقته.

4- تشريع الأحكام:

ونظراً لما تتطلبه المرحلة الجديدة فقد بدأت شعائر الإسلام تنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم لتنظم للمسلمين حياتهم في الجانب السياسي والاقتصادي والاجتماعي وعلاقتهم باليهود والأعراب وغير ذلك مما تمس الحاجة إليه، وكان من أهم التشريعات التي نزلت الإذن بقتال الأعداء ورد العدوان ورفع الظلم بعد تلك المرحلة العصيبة في مكة من الصبر والدعوة وكظم الغيظ. إذ إن الجهاد وسيلة للدفاع عن الدين ونشره في الأرض، فقد أصرت قوى الكفر على منع الناس من دخول الإسلام ومنعتهم من التعرف عليه، وآذتهم أشد الإيذاء وقتلت منهم من قتلت حتى طردوهم من ديارهم ولم يكن بد من مواجهتهم وإيقاف شرهم حتى تتعرف البشرية على منهج ربها سبحانه وتعالى ثم تختار بعد ذلك اعتناقه أو تركه.

5- جهاده صلى الله عليه وسلم:

بعد استقراره صلى الله عليه وسلم في المدينة وترتيبه صلى الله عليه وسلم لأحواله الداخلية من المؤاخاة بين أصحابه وبناء المسجد وعقد المعاهدة بينه وبين اليهود، أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتفرغ لنشر الدعوة ومواصلة عرض الإسلام وتعاليمه على الناس، غير أن أعداءه لم يتركوه ليبلغ دين الله عز وجل وأصروا على منعه من تبليغ دين الله عز وجل وصرف الناس عن سماع تعاليم الإسلام لما رأوا من تأثيرها عليهم واستجابتهم لها فعملوا على أذية محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى وهم في المدينة، وكان من أشهر من قاتلهم صلى الله عليه وسلم ثلاث طوائف:

الطائفة الأولى: المشركون: ويقود هؤلاء ويتزعمهم مشركوا مكة ومن ناصرهم وأعانهم من مشركي القبائل المجاورة وغيرهم من الأعراب، وكان سبب قتالهم كما سبق هو إصرارهم على مواصلة الصد عن سبيل الله ومنع الناس من دخول الإسلام، ومن ذلك:

1- رسالة قريش إلى زعيم يثرب عبدالله بن أبي يطلبون منه مقاتلة النبي صلى الله عليه وسلم وإخراجه من المدينة وجاء في هذه الرسالة: "إنكم آويتم صاحبنا وإنا نقسم بالله لتقاتلنه أو لتخرجنه أو لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم ونستبيح نساءكم". وفعلاً اجتمعوا على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك خرج إليهم فقال لهم: (لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم فلما سمعوا ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم تفرقوا).

2- رسالة قريش إلى المهاجرين: وأرسلت قريش تهدد المسلمين المهاجرين وتقول لهم:"لا يغرنكم أنكم أفلتمونا إلى يثرب سنأتيكم فنستأصلكم ونبيد خضراءكم في عقر داركم"، ولأجل ذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون لا يبيتون إلا في حراسة وحمل سلاحهم.

لذلك وغيره قامت المعارك بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم فجاءت معركة بدر التي أطاحت برؤوس الكفر وانتصر المسلمون، ثم جاءت غزوة أحد وانتصر المسلمون في أولها وأصيبوا بالهزيمة في آخرها، وكان في ذلك خير فقد استفاد المسلمون دروساً لحروب المستقبل، وجاءت بعد ذلك غزوة الخندق ونصر الله فيها المسلمين من غير قتال، فأرسل الله على المشركين الريح والملائكة، وهكذا حتى جاء فتح مكة وسقطت قريش ودمرت الأصنام وختمت بهزيمة الشرك في غزوة حنين ولم تقم لهم بعد ذلك قائمة.

الطائفة الثانية: اليهود:

وكان سبب القتال معهم هو نقض العهود والمواثيق والتعاون مع المشركين ضد المسلمين، فهؤلاء يهود بني قينقاع يعتدون على امرأة مسلمة ثم يقتلون أحد المسلمين في سوقهم لأنه انتصر لها ضد المعتدي عليها، وهؤلاء بنو النضير تآمروا على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولئك بنو قريظة ينقضون العهد ويتعاونون مع المشركين يوم الأحزاب لذلك كله وغيره من المؤامرات اليهودية اضطر النبي صلى الله عليه وسلم إلى قتالهم فأجلى بني النضير وبني قينقاع وقتل رجال بني قريظة واستباح أموالهم وذراريهم، وأدب يهود خيبر الذين حرضوا الأحزاب ضد المسلمين وأثاروا بني قريظة على الغدر والخيانة واتصلوا بالمنافقين في المدينة وغطفان وأعراب البادية وتآمروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتلوه بواسطة شاة مسمومة.

الطائفة الثالثة: النصارى:

وممن قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه المدة النصارى في أرض الروم المجاورون لبلاد العرب، وكان الروم أكبر دولة في ذلك الزمان وسبب قتالهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل كتاباً إلى عظيم بصرى يدعوه إلى الإسلام، فتعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني عامل البلقاء التابع لقيصر فقتله وكان قتل السفراء والرسل من أشنع الجرائم، ويساوي اليوم إعلان الحرب بل أشد، مما جعل النبي صلى الله عليه وسلم يغضب لذلك ويجهز لهم جيشاً ووقعت بسبب ذلك معركة مؤتة .

ثم ترامت الأخبار أن الروم يستعدون لغزو المدينة، فلما كثرت الأخبار اضطر رسول الله صلى الله عليه وسلم لتجهيز جيش قوامه ثلاثون ألف مجاهد وواجه به الروم في معركة تبوك، غير أن الروم هربوا وتفرقوا ولم يواجهوا رسول الله صلى الله عليه وسلم .

استمرار الدعوة:

ورغم ذلك فقد استمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى دين الله عز وجل فكتب الرسائل إلى ملوك الأرض وأرسل أصحابه إليهم يدعونهم إلى الإسلام، فكتب رسالة إلى النجاشي عظيم النصارى بالحبشة، وأرسل إلى هرقل زعيم النصارى في بلاد الروم، وأرسل إلى كسرى عظيم الفرس، وهكذا إلى المقوقس ملك مصر وإلى أمير عمان وإلى أهل اليمن وملك البحرين، وغيرهم كثير يدعوهم إلى الإسلام. فأسلم بتلك الرسائل النجاشي وأمير عمان والبحرين وأسلم أهل اليمن، وقارب أن يسلم هرقل زعيم النصارى ولكن خاف الانقلاب عليه من أتباعه، وهكذا ملك مصر كاد أن يسلم ولكنه أرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بهدايا، وأما كسرى فمزق الرسالة فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فمزق الله ملكه وبادت دولته في خلافة عمر رضي الله عنه، وكانت تلك المراسلة حين وجد النبي صلى الله عليه وسلم فرصة للدعوة بعد الهدنة بينه وبين المشركين في صلح
الحديبية سنة 6هـ

وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم:

جاءت السنة العاشرة من الهجرة النبوية فحج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع وخطب فيها خطبة أكد فيها على عظمة هذه التعاليم، وأرسى فيها قواعد العدل وشدد على المسلمين في التمسك بها، ثم عاد إلى المدينة.

وفي شهر ربيع الأول الثاني عشر يوم الاثنين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة بعد أن بلغ  صلى الله عليه و سلم من العُمر ثلاثة وستين عاماً، ودفن في المدينة المنورة سنة 633 للميلاد.

Créer un site gratuit avec e-monsite - Signaler un contenu illicite sur ce site

×