في معنى التسبيح

yana8712-1.jpg

في معنى التسبيح

قال سبحانه : (تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن ، وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليماً غفوراً)

التسبيح معناه تنزيه الله تعالى عما لا يليق به، وقد يكون ذلك بالقول وبالفعل، وبأية صور تُنْبيء عن ذلك كالصلاة وذِكر الله تعالى، وهذا التسبيح يَلزَمه الإيمان بوجود الله وبألوهيته، ومثله السجود بمعناه العام وهو الخضوع واللجوء إليه، والكون كله ساجد لله ومسبح له بهذا المعنى، والنصوص في ذلك كثيرة، منها قوله تعالى: (سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)، وقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَاْلَأرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ) (سورة النور:41)، وقوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ…) (سورة الحج :18)، وقوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) (سورة الإسراء:44)، والتسبيح الذي يَعتمِد على اللغة ليس كل إنسان قادرًا على فهمه، فلكلٍّ من المخلوقات لغتُه، ولا يفهمها إلا من خَصَّه اللهُ من عباده المقرَّبين كداود وسليمان ـ عليهما السلام ـ: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيءٍ) (سورة النمل:16)

 التسبيح إذن هو التنزيه، فيجب أن ننزِّه الله عن كل ما لا يليق به، ويجب أن نمجِّده بأن نصفه بالكمال الذي يليق به، ويجب أن نخضع له، فما دام منزَّهاً عن كل نقص، متصِّفاً بكل كمال فينبغي أن نخضع له، وعلامة صحَّة التنزيه وصحَّة التمجيد الخضوع، فإن لم نخضع فالتنزيه ليس صحيحاً، بل التنزيه شكلي، غير صادق.

ومما جاء من النصوص والأخبار في أن الكائنات تُسبح وتَسْجد وتخضع لقدرة الله، ولكلٍّ لُغَتُها وطريقتها في التسبيح ما  رَوى البخاري عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: "لَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسبيحَ الطَّعام وهو يُؤكل"، وفي غير هذه الرواية عنه ـ رضي الله عنه ـ : كُنَّا نأكل مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الطعام ونحن نسمع تسبيحه، وهناك عدة روايات في تسبيح الطعام مذكورة في الزرقاني على المواهب "ج5 ص 121".
كما روى مسلم عن جابر بن سُمرة ـ رضي الله عنه ـ قال: وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : "إني لأعرف حَجَرًا بمكة كان يُسلِّم عليَّ قبْل أن أُبعث، إني لأعرفه الآن"، قيل هو الحجر الأسود، وهناك عدة حوادث في تسبيح الحصا في يد الرسول وأبي بكر وعمر"المرجع السابق ص120.

مما ذكر في التسبيح حنين الجِذع الذي كان يخطب إليه صلى الله عليه و سلم ، فقد روى البخاري وغيره، وقيل إنه متواتر، وسُمع لحَنِينِهِ صوتٌ كصوت الناقة العَشْرَاء، والكلام طويل عنه في: "الزرقاني على المواهب ج5 ص 133.  كان يقف صلى الله عليه و سلم  على شجرةٍ يخطب عليها، فلَّما صنع له أصحابه منبراً حَنَّت إليه الشجرة.. وهي جماد من خشب.. كان عليه الصلاة والسلام يضع يده عليها إكراماً لها في أثناء خطبته، وقف على المنبر وكان يضع يده على هذه الشجرة، فعن جَابِر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: ( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَطَبَ يَسْتَنِدُ إِلَى جِذْعِ نَخْلَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا صُنِعَ الْمِنْبَرُ، وَاسْتَوَى عَلَيْهِ اضْطَرَبَتْ تِلْكَ السَّارِيَةُ كَحَنِينِ النَّاقَةِ، حَتَّى سَمِعَهَا أَهْلُ الْمَسْجِدِ، حَتَّى نَزَلَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاعْتَنَقَهَا فَسَكَتَتْ. ) أحمد كما أخرج النسائي في سننه عن عبد الله بن عمر وأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نَهَى عن قتل الضُّفْدع، وقال: "نقيقها تسبيح"، وأخرجه ابن سُبيع في "شفاء الصدور" كما ذكره الدميري.
و ذكر القرطبي في تفسير قوله تعالى: (وَإِن مِّن شَيءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ). عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ:(أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْفَهُ ذَاتَ يَوْمٍ، فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ، وَكَانَ أَحَبُّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَتِهِ هَدَفًا أَوْ حَائِشَ نَخْلٍ، قَالَ: فَدَخَلَ حَائِطًا لِرَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَإِذَا جَمَلٌ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ، فَسَكَتَ، فَقَالَ: مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ ؟ لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ ؟ فَجَاءَ فَتًى مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: أَفَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا، فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ ) أبو داود

قول الله تعالى: “هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال” (الرعد: 12-13)، فيخبر الله سبحانه وتعالى انه هو الذي سخر البرق وهو ما يرى من النور اللامع ساطعا من خلال السحاب، يخاف المسافر أذاه وشقته، وطمعا يرجو بركته ومنفعته ويطمع في رزق الله وينشئ السحاب الثقال بالماء، ويسبح الرعد بحمده، أي يظهر قدرته تعالى وجبروته وتسخيره لجميع ظواهر هذا الكون كقوله تعالى: ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده).وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع الرعد والصواعق قال: “اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك”، وعن أبي هريرة انه كان إذا سمع الرعد قال: “سبحان من يسبح الرعد بحمده”، وعن عبد الله بن الزبير أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث وقال: ( سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، إن هذا الوعيد شديد لأهل الأرض).قال تعالى  ( ألم تَرَ أنَّ الله يُسَبِّحُ له منْ في السَّمواتِ والأرضِ والطَّيرُ صافَّاتٍ كلٌّ قد عَلِمَ صلاتَهُ وتسبيحَهُ والله عليمٌ بما يفعلون)سورة  النور 41 ولعل السبب في تخصيص الطير بالتَّسبيح، في الآية الكريمة، مع أنها تدخل في عموم المخلوقات الَّتي تسبِّح لله في السموات والأرض؛ هو لفت الأنظار إلى كمال القدرة الإلهية في صنعها، ولأن وقوف الأشياء الثقيلة في الجو أثناء الطيران حجَّة واضحة على عظيم قدرة الخالق المبدع

إن في تســبيح العوالم لله، وقيام جميـع الكائنـات به ـ ما عقل منهـا وما لا يعقل ـ تعليماً وإرشـاداً للإنسان بأن يعترف بفضل الله عليه؛ فيشكر نعماءه ويسبِّح بحمده، لئلا تكون تلك المخلوقات الَّتي فضَّله الله عليها أكثر ذكراً لله، وأفضل منه شكراً وعرفاناً بعظيم فضله عليها.

Créer un site gratuit avec e-monsite - Signaler un contenu illicite sur ce site

×