الكون يسبح لله

1111116af-4.gif

الكون يسبح لله

في تفسير الآيات 21-24 الحشر

تقديم السورة: سورة الحشر مدنية عدد آياتها 24 آية نزلت بعد البينة ابتدأت بتنزيه الله و تمجيده و ختمت بذكر أسماء الله الحسنى و صفاته

سورة الحشر تسمى { سورة بني النضير } وهم طائفة كبيرة من اليهود في جانب المدينة، وقت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم، وهاجر إلى المدينة، كفروا به في جملة من كفر من اليهود، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة هادن سائر طوائف اليهود الذين هم جيرانه في المدينة، فلما كان بعد [وقعة] بدر بستة أشهر أو نحوها، خرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم، وكلمهم أن يعينوه في دية الكلابيين الذين قتلهم عمرو بن أمية الضمري، فقالوا: نفعل يا أبا القاسم، اجلس هاهنا حتى نقضي حاجتك، فخلا بعضهم ببعض، وسول لهم الشيطان الشقاء الذي كتب عليهم، فتآمروا بقتله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: أيكم يأخذ هذه الرحى فيصعد فيلقيها على رأسه يشدخه بها؟ فقال أشقاهم عمرو بن جحاش: أنا، فقال لهم سلام بن مشكم: لا تفعلوا، فوالله ليخبرن بما هممتم به، وإنه لنقض العهد الذي بيننا وبينه، وجاء الوحي على الفور إليه من ربه، بما هموا به، فنهض مسرعا، فتوجه إلى المدينة، ولحقه أصحابه، فقالوا: نهضت ولم نشعر بك، فأخبرهم بما همت يهود به.

وبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن اخرجوا من المدينة ولا تساكنوني بها، وقد أجلتكم عشرا، فمن وجدت بعد ذلك بها ضربت عنقه"

فأقاموا أياما يتجهزون، وأرسل إليهم المنافق عبد الله بن أبي [بن سلول]: "أن لا تخرجوا من دياركم، فإن معي ألفين يدخلون معكم حصنكم، فيموتون دونكم، وتنصركم قريظة وحلفاؤكم من غطفان".

وطمع رئيسهم حيي بن أخطب فيما قال له، وبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنا لا نخرج من ديارنا، فاصنع ما بدا لك.

فكبر رسول الله صلى عليه وسلم وأصحابه، ونهضوا إليهم، وعلي بن أبي طالب يحمل اللواء.

فأقاموا على حصونهم يرمون بالنبل والحجارة، واعتزلتهم قريظة، وخانهم ابن أبي وحلفاؤهم من غطفان، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقطع نخلهم وحرق. فأرسلوا إليه: نحن نخرج من المدينة، فأنزلهم على أن يخرجوا منها بنفوسهم، وذراريهم، وأن لهم ما حملت إبلهم إلا السلاح، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، الأموال والسلاح.

وكانت بنو النضير، خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لنوائبه ومصالح المسلمين، ولم يخمسها، لأن الله أفاءها عليه، ولم يوجف المسلمون عليها بخيل ولا ركاب، وأجلاهم إلى خيبر وفيهم حيي بن أخطب كبيرهم، واستولى على أرضهم وديارهم، وقبض السلاح، فوجد من السلاح خمسين درعا، وخمسين بيضة، وثلاثمائة وأربعين سيفا، هذا حاصل قصتهم كما ذكرها أهل السير.

الآيات 21-24 الحشر

( لَوْ أَنزَلْنَا هَـَذَا الْقُرْآنَ عَلَىَ جَبَلٍ لّرَأَيْتَهُ‎ ‎خَاشِعاً مّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ اللّهِ ‏وَتِلْكَ الأمْثَالُ ‏نَضْرِبُهَا‎ ‎لِلنّاسِ لَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ * هُوَ اللّهُ الّذِي لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ‎ ‎عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشّهَادَةِ هُوَ ‏الرّحْمَـَنُ الرّحِيمُ * هُوَ اللّهُ‎ ‎الّذِي لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ ‏الْمَلِكُ الْقُدّوسُ السّلاَمُ الْمُؤْمِنُ‎ ‎الْمُهَيْمِنُ ‏الْعَزِيزُ الْجَبّارُ الْمُتَكَبّرُ سُبْحَانَ اللّهِ ‏عَمّا‎ ‎يُشْرِكُونَ * هُوَ اللّهُ الْخَالِقُ الْبَارِىءُ الْمُصَوّرُ لَهُ ‏الأسْمَآءُ‎ ‎الْحُسْنَىَ ‏يُسَبّحُ لَهُ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ‎ ‎الْحَكِيمُ ‏)‏

عن أبى هريرة قال: سألت خليلى أبا القاسم رسول الله صلى‎ ‎الله عليه ‏وسلم عن اسم الله الأعظم فقال: يا أبا هريرة عليك بآخر سورة الحشر‎ ‎فأكثر قراءتها. فأعدت عليه فأعاد ‏علىّ، فأعدت عليه فأعاد علىّ.
‎- ‎
وقال جابر بن‎ ‎زيد: إن اسم الله الأعظم هو الله، لمكان هذه الآية.
‎- ‎
وعن أنس بن مالك: أن رسول‎ ‎الله صلى الله عليه وسلم قال: من قرأ سورة الحشر غفر الله له ما تقدم من ذنبه‎ ‎وما تأخر.
‎- ‎
وعن أبى أمامة قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم: من قرأ خواتيم‎ ‎سورة الحشر فى ليل أو نهار فقبضه الله فى تلك الليلة أو ‏ذلك النهار فقد أوجب الله‎ ‎له الجنة

قال السعدي:  هذه الآيات الكريمات قد اشتملت على كثير من أسماء الله الحسنى‎ ‎وأوصافه العلى، عظيمة الشأن، ‏وبديعة البرهان، فأخبر أنه الله المألوه ‏المعبود،‎ ‎الذي لا إله إلا هو، وذلك لكماله العظيم، وإحسانه ‏الشامل، ‏وتدبيره العام، وكل إله‎ ‎سواه فإنه باطل لا يستحق من العبادة مثقال ذرة، ‏لأنه فقير عاجز ‏ناقص، لا يملك‎ ‎لنفسه ولا لغيره شيئا، ثم وصف نفسه ‏بعموم العلم الشامل، لما غاب عن الخلق وما‎ ‎‏يشاهدونه، وبعموم رحمته ‏التي وسعت كل شيء ووصلت إلى كل حي.‏‎
ثم كرر عموم‎ ‎إلهيته وانفراده بها، وأنه المالك لجميع الممالك، ‏فالعالم العلوي والسفلي وأهله،‎ ‎‏الجميع، مماليك لله، فقراء مدبرون.‏‎
‏{ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ } أي: المقدس‎ ‎السالم من كل عيب وآفة ونقص، ‏المعظم الممجد، لأن القدوس يدل ‏على التنزيه عن كل‎ ‎نقص، والتعظيم لله ‏في أوصافه وجلاله.‏‎
‏{ الْمُؤْمِنُ } أي: المصدق لرسله‎ ‎وأنبيائه بما جاءوا به، بالآيات البينات، ‏والبراهين القاطعات، والحجج‎ ‎‏الواضحات.‏‎
‏{ الْعَزِيزُ } الذي لا يغالب ولا يمانع، بل قد قهر كل شيء، وخضع‎ ‎له كل ‏شيء، { الْجَبَّارُ } الذي قهر ‏جميع العباد، وأذعن له سائر الخلق، الذي ‏يجبر‎ ‎الكسير، ويغني الفقير، { الْمُتَكَبِّرُ } الذي له الكبرياء ‏والعظمة، ‏المتنزه عن‎ ‎جميع العيوب والظلم والجور.‏‎
‏{ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ } وهذا‎ ‎تنزيه عام عن كل ما وصفه به من ‏أشرك به وعانده.‏‎
‏{ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ‎ } ‎لجميع المخلوقات { الْبَارِئُ } للمبروءات { الْمُصَوِّرُ ‏‏} للمصورات، وهذه الأسماء‎ ‎‏متعلقة بالخلق والتدبير والتقدير، وأن ذلك ‏كله قد انفرد الله به، لم يشاركه فيه‎ ‎مشارك.‏‎
‏{ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى } أي: له الأسماء الكثيرة جدا، التي لا‎ ‎يحصيها ولا ‏يعلمها أحد إلا الله هو، ومع ‏ذلك، فكلها حسنى أي: صفات كمال، بل تدل‎ ‎على أكمل الصفات وأعظمها، لا نقص في شيء منها ‏بوجه من الوجوه، ‏ومن حسنها أن الله‎ ‎يحبها، ويحب من يحبها، ويحب من عباده أن يدعوه ‏ويسألوه ‏بها.‏‎
ومن كماله، وأن له‎ ‎الأسماء الحسنى، والصفات العليا، أن جميع من في ‏السماوات والأرض مفتقرون ‏إليه على‎ ‎الدوام، يسبحون بحمده، ‏ويسألونه حوائجهم، فيعطيهم من فضله وكرمه ما تقتضيه رحمته‎ ‎‏وحكمته، { وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } الذي لا يريد شيئا إلا ويكون، ولا يكون‏‎ ‎شيئا إلا لحكمة ومصلحة.‏‎

ابن‎ ‎كثير:
‏** لَوْ أَنزَلْنَا هَـَذَا الْقُرْآنَ عَلَىَ جَبَلٍ لّرَأَيْتَهُ‎ ‎خَاشِعاً مّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ اللّهِ ‏وَتِلْكَ الأمْثَالُ ‏نَضْرِبُهَا‎ ‎لِلنّاسِ لَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ * هُوَ اللّهُ الّذِي لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ‎ ‎عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشّهَادَةِ هُوَ ‏الرّحْمَـَنُ الرّحِيمُ * هُوَ اللّهُ‎ ‎الّذِي لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ ‏الْمَلِكُ الْقُدّوسُ السّلاَمُ الْمُؤْمِنُ‏‎ ‎الْمُهَيْمِنُ ‏الْعَزِيزُ الْجَبّارُ الْمُتَكَبّرُ سُبْحَانَ اللّهِ ‏عَمّا‎ ‎يُشْرِكُونَ * هُوَ اللّهُ الْخَالِقُ الْبَارِىءُ الْمُصَوّرُ لَهُ ‏الأسْمَآءُ‎ ‎الْحُسْنَىَ ‏يُسَبّحُ لَهُ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ‎ ‎الْحَكِيمُ ‏
‎ ‎
يقول تعالى معظماً لأمر القرآن ومبيناً علو قدره, وأنه ينبغي أن‎ ‎تخشع ‏له القلوب وتتصدع ‏عند سماعه, لما فيه من الوعد الحق والوعيد الأكيد ‏‏{لو‎ ‎أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته ‏خاشعاً متصدعاً من خشية الله} أي ‏فإذا كان الجبل‎ ‎في غلظته وقساوته لو فهم هذا القرآن ‏فتدبر ما فيه لخشع ‏وتصدع من خوف الله عز وجل, ‎فكيف يليق بكم يا أيها البشر أن لا تلين ‏‏قلوبكم وتخشع وتتصدع من خشية الله, وقد‎ ‎فهمتم عن الله أمره وتدبرتم ‏كتابه, ولهذا قال ‏تعالى: {وتلك الأمثال نضربها للناس‎ ‎لعلهم يتفكرون} ‏قال العوفي عن ابن عباس في قوله ‏تعالى: {لو أنزلنا هذا القرآن على‎ ‎جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً} إلى آخرها يقول لو أني أنزلت ‏هذا القرآن ‏على جبل حملته‎ ‎إياه لتصدع وخشع من ثقله ومن خشية الله, فأمر الله ‏الناس إذا ‏نزل عليهم القرآن أن‎ ‎يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشع, ثم ‏قال تعالى: {وتلك الأمثال ‏نضربها للناس لعلهم‎ ‎يتفكرون} وكذا قال قتادة ‏وابن جرير.‏
‎ ‎
وقد ثبت في الحديث المتواتر أن رسول‎ ‎الله صلى الله عليه وسلم لما ‏عمل له المنبر, وقد كان ‏يوم الخطبة يقف إلى جانب جذع‎ ‎من جذوع ‏المسجد, فلما وضع المنبر أول ما وضع وجاء ‏النبي صلى الله عليه وسلم ‏ليخطب‎ ‎فجاوز الجذع إلى نحو المنبر, فعند ذلك حن الجذع وجعل ‏يئن كما ‏يئن الصبي الذي يسكت‎ ‎لما كان يسمع من الذكر والوحي عنده, ففي ‏بعض روايات ‏هذا الحديث قال الحسن البصري‎ ‎بعد إيراده: فأنتم أحق أن ‏تشتاقوا إلى رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم من الجذع‎ ‎وهكذا هذه الاَية ‏الكريمة إذا كانت الجبال الصم لو سمعت كلام الله ‏وفهمته لخشعت‎ ‎وتصدعت من خشيته, فكيف بكم وقد سمعتم وفهمتم ؟ وقد قال تعالى: ‏‏‏{ولو أن قرآنا سيرت‎ ‎
به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى} ‏الاَية. وقد تقدم أن ‏معنى ذلك أي‎ ‎لكان هذا القرآن, وقد قال تعالى: {وإن ‏من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن ‏منها‎ ‎لما يشقق فيخرج منه الماء ‏وإن منها لما يهبط من خشية الله}.‏
‎ ‎
ثم قال تعالى: ‎{ هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو ‏الرحمن الرحيم} أخبر ‏تعالى‎ ‎أنه الذي لا إله إلا هو فلا رب غيره ولا إله ‏للوجود سواه, وكل ما يعبد من دونه‎ ‎‏فباطل, وأنه عالم الغيب والشهادة ‏أي يعلم جميع الكائنات المشاهدات لنا والغائبات‎ ‎عنا, فلا‎ ‎يخفى عليه ‏شيء في الأرض ولا في السماء من جليل وحقير وصغير وكبير حتى‎ ‎الذر في ‏الظلمات. وقوله تعالى: {هو الرحمن الرحيم} قد تقدم الكلام على ‏ذلك في أول‎ ‎التفسير بما ‏أغنى عن إعادته ههنا, والمراد أنه ذو الرحمة ‏الواسعة الشاملة لجميع‎ ‎المخلوقات, فهو رحمن ‏الدنيا والاَخرة ‏ورحيمهما, وقد قال تعالى: {ورحمتي وسعت كل‎ ‎شيء} وقال تعالى: ‏‏{كتب ‏ربكم على نفسه الرحمة} وقال تعالى: {قل بفضل الله وبرحمته‎ ‎فبذلك فليفرحوا هو خير مما ‏يجمعون} ثم قال تعالى: {هو الله الذي لا إله ‏إلا هو‎ ‎الملك} أي المالك لجميع الأشياء ‏المتصرف فيها بلا ممانعة ولا ‏مدافعة. وقوله تعالى: {القدوس }قال وهب بن منبه أي الطاهر. ‏وقال ‏مجاهد وقتادة أي المبارك وقال ابن جريج‎ ‎تقدسه الملائكة الكرام ‏‏{السلام} أي من جميع ‏العيوب والنقائص لكماله في ذاته وصفاته‎ ‎وأفعاله.‏

‎ ‎
وقوله تعالى: {المؤمن} قال الضحاك عن ابن عباس: أي أمن خلقه من ‏أن‎ ‎يظلمهم. وقال ‏قتادة: أمن بقوله أنه حق. وقال ابن زيد: صدق عباده ‏المؤمنين في‎ ‎إيمانهم به. وقوله تعالى: ‏‏{المهيمن} قال ابن عباس وغير ‏واحد: أي الشاهد على خلقه‏‎ ‎بأعمالهم بمعنى هو رقيب عليهم ‏كقوله ‏‏{والله على كل شيء شهيد} وقوله {ثم الله شهيد‎ ‎على ما يفعلون} وقوله ‏‏{أفمن هو ‏قائم على كل نفس بما كسبت} الاَية. وقوله تعالى: {العزيز} ‏أي الذي قد عز كل شيء ‏فقهره وغلب الأشياء فلا ينال جنابه لعزته ‏وعظمته‎ ‎وجبروته وكبريائه, ولهذا قال تعالى: ‏‏{الجبار المتكبر} أي الذي ‏لا تليق الجبرية‎ ‎إلا له ولا التكبر إلا لعظمته, كما تقدم في الصحيح ‏‏‏«العظمة إزاري والكبرياء رادئي‎ ‎فمن نازعني واحداً منهما عذبته» وقال ‏قتادة: الجبار الذي ‏جبر خلقه على ما يشاء. ‎وقال ابن جرير: الجبار ‏المصلح أمور خلقه المتصرف فيهم بما فيه ‏صلاحهم. وقال قتادة: ‎المتكبر ‏يعني عن كل سوء ثم قال تعالى: {سبحان الله عما يشركون} ‏وقوله ‏تعالى: {هو‎ ‎الله الخالق البارىء المصور} الخلق التقدير والبرء هو ‏الفري, وهو التنفيذ ‏وإبراز‎ ‎ما قدره وقرره إلى الوجود وليس كل من قدر ‏شيئاً ورتبه يقدر على تنفيذه وإيجاده ‏سوى‎ ‎الله عز وجل. قال الشاعر ‏يمدح آخر:‏
‎ ‎
ولأنت تفري ما خلقت وبعــض القوم يخلق ثم‎ ‎لا يفري
‎ ‎
أي أنت تنفذ ما خلقت أي قدرت, بخلاف غيرك فإنه لا يستطيع ما يريد, ‎فالخلق التقدير ‏والفري التنفيذ, ومنه يقال قدر الجلاد ثم فرى أي قطع ‏على ما قدره‎ ‎بحسب ما يريده. وقوله ‏تعالى: {الخالق البارىء المصور} ‏أي الذي إذا أراد شيئاً قال‎ ‎له كن فيكون على الصفة التي ‏يريد, ‎والصورة ‏التي يختار كقوله تعالى: {في أي صورة‎ ‎ما شاء ركبك} ولهذا قال ‏المصور أي ‏الذي ينفذ ما يريد إيجاده على الصفة التي‎ ‎يريدها.‎
‎ ‎
وقوله تعالى: {له الأسماء الحسنى} قد تقدم الكلام على ذلك في سورة‎ ‎الأعراف. ونذكر ‏الحديث المروي في الصحيحين عن أبي هريرة عن ‏رسول الله صلى الله‎ ‎عليه وسلم «إن لله ‏تعالى تسعة وتسعين اسماً, مائة ‏إلا واحداً, من أحصاها دخل الجنة‎ ‎وهو وتر يحب الوتر» ‏وتقدم سياق ‏الترمذي وابن ماجه له عن أبي هريرة أيضاً وزاد بعد‎ ‎قوله: «وهو وتر ‏يحب ‏الوتر». واللفظ للترمذي: «هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن, ‎الرحيم, الملك, القدوس, ‏السلام, المؤمن, المهيمن, العزيز, الجبار, ‏المتكبر, ‎الخالق, البارىء, المصور, الغفار, القهار, ‏الوهاب, الرزاق, ‏الفتاح, العليم, القابض‎ ‎الباسط, الخافض, الرافع, المعز, المذل, السميع, ‏‏البصير, الحكم, العدل, اللطيف, ‎
الخبير, الحليم, العظيم, الغفور, الشكور, ‏العلي, الكبير, ‏الحفيظ, المقيت, الحسيب, ‎الجليل, الكريم, الرقيب, المجيب, ‏الواسع, الحكيم, الودود, المجيد, ‏الباعث, الشهيد, ‎الحق, الوكيل, القوي, ‏المتين, الولي, الحميد, المحصي, المبدىء, المعيد, ‏المحيي, ‎المميت, ‏الحي, القيوم, الواجد, الماجد, الواحد, الصمد, القادر, المقتدر, المقدم, ‎‏المؤخر, الأول, الاَخر, الظاهر, الباطن, الوالي, المتعالي, البر, التواب, ‏المنتقم, ‎العفو, الرؤوف, ‏مالك الملك, ذو الجلال والإكرام, المقسط ‏الجامع, الغني, المغني, ‎المعطي, المانع, الضار, النافع, ‏النور, الهادي, ‏البديع, الباقي, الوارث, الرشيد, ‎الصبور». وسياق ابن ماجه بزيادة ‏ونقصان ‏وتقديم وتأخير وقد قدمنا ذلك مبسوطاً‎ ‎مطولاً بطرقه وألفاظه بما ‏أغنى عن إعادته ههنا.‏
‎ ‎
وقوله تعالى: {يسبح له ما في‎ ‎السموات والأرض} كقوله تعالى: {تسبح ‏له السموات ‏السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء‎ ‎إلا يسبح بحمده ‏ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان ‏حليماً غفوراً} وقوله تعالى: {وهو‎ ‎العزيز} أي فلا يرام جنابه {الحكيم} في شرعه وقدره, ‏وقد قال الإمام ‏أحمد: حدثنا‎ ‎أبو أحمد ال***ري حدثنا خالد يعني ابن طهمان أبو العلاء ‏الخفاف ‏حدثنا نافع بن أبي‎ ‎نافع, عن معقل بن يسار عن النبي صلى الله ‏عليه وسلم قال:  (من قال حين ‏يصبح ثلاث‎ ‎مرات أعوذ بالله السميع ‏العليم من الشيطان الرجيم, ثم قرأ ثلاث آيات من آخر ‏سورة‎ ‎الحشر وكل ‏الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي, وإن مات في ذلك اليوم ‏‏مات‎ ‎شهيداً, ومن قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة) ورواه الترمذي  وقال غريب لا نعرفه ‏إلا من هذا الوجه.
معنى الآيات:

قوله تعالى( لو أنزلنا هذا القرآن) لما أمر تعالى في الآيات السباقة ونهى ووعظ وذكر بما لا مزيد عليه أخبر أنه لو أنزل هذا القرآن العظيم على جبل بعد أن خلق فيه إدراكاً وتمييزاً كما خلق ذلك في الإِنسان لُرُؤِيَ ذلك الجبل خاشعاً متصدعاً متشققاً من خشية الله أي من الخوف من الله لعله قصّر في حق الله وحق كتابه ما أداهما على الوجه المطلوب، وفي هذا موعظة للمؤمنين ليتدبرا القرآن ويخشعوا عند تلاوته وسماعه. ثم أخبر تعالى أنّ ما ضرب من أمثال في القرآن ومنها هذا المثل المضروب بالجبل. يقول نجعلها للناس رجاء أن يتفكروا فيؤمنوا ويهتدوا إلى طريق كمالهم وسعادتهم ثم أخبر تعالى عن جلاله وكماله بذكر أسمائه وصفاته فقال: (هو الله الذي لا إله إلا هو) أي لا معبود بحق إلا هو، عالم الغيب والشهادة أي السر والعلن والموجود والمعدوم والظاهر والباطن. هو الرحمن لذي وسعت رحمته كل شيء الرحيم بعباده المؤمنين، والملك الذي له ملك السموات والأرض والمدبر للأمر في الأرض والسماء القدوس الطاهر المنزه عن كل نقص وعيب عن الشريك الصاحبة والولد.
السلام ذو السلامة من كل نقص مفيض السلام على من شاء من عباده. المؤمن والمصدق رسله بما آتاهم من المعجزات المصدق عباده المؤمنين فيما يشكون إليه مما أصابهم، ويطلبونه ما هم في حاجة إليه من رغائبهم وتصرفاتهم عن إرادته وإذنه، العزيز الغالب على أمره الذي لا يمانع فيما يريده. الجبال للكل على مُرادِه وما يريده، المتكبر على كل خلقه وله الكبرياء في السموات والأرض والجلال والكمال والعظمة.
وقوله تعالى(سبحان الله عما يشركون) نزه تعالى نفسه عما يشرك به المشركون من عبدة الأصنام والأوثان وغيرها من كل ما عُبد من دونه سبحانه وتعالى هو الله الخالق الباريء المصور: المقدر للخلق الباريء له المصور له في الصورة التي أراد أن يوجده عليها. له الأسماء الحسنى وهي مائة اسم الا اسماً واحداً كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخارى وأسماؤه متضمنة صفاته وكُل أسمائه حسنى وكل صفاته عليا منزه عن صفات المحدثين يسبح له ما في السموات والأرض من مخلوقات وكائنات أي ينزهه ويقدسه عما لا يليق به ويدعوه ويرغب إليه في بقائه وكمال حياته. وهو العزيز الحكيم الغالب على أمره الحكيم في تدبير ملكه.


من هداية الآيات:

1-بيان ما حواه القرآن من العظات والعبر، والأمر والنهى والوعد والوعيد الأمر الذي لو أن جبلاً ركب فيه الإِدراك والتمييز كالإِنسان ونزل عليه القرآن لخشع وتصدع من خشية الله.
2- استحسان ضرب الأمثال للتنبيه والتعليم والإِرشاد.
3-تقرير التوحيد، وأنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
4- إثبات أسماء الله تعالى، وأنها كلها حسنى، وأنها متضمنة صفات عليا.
5-ذكر أَسمائه تعالى تعليم لعباده بها ليدعوه بها ويتوسلوا بها إليه.

Créer un site gratuit avec e-monsite - Signaler un contenu illicite sur ce site

×