محمد نبي الرحمة

 

image193-1.gif

محمد صلى الله عليه و سلم نبي الرحمة 

قال تعالى:

( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) الأحزاب 21

 (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) الأنبياء107

( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم ) ( التوبة: 128)

(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وشاورهم في الأمر) ( آل عمران:159)

الرحمة حالة وجدانية، تعرض غالباً لمن به رقة القلب، وتكون مبدأ للانعطاف النفساني، الذي هو مبدأ الإحسان)

الرحمة : (هي رقة يجدها المخلوق في قلبه، تحمله على العطف، والإحسان إلى سواه، ومواساته، وتخفيف آلامه)

عرف ابن القيِّم الرحمة بقوله: (الرحمة صفة تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى العبد وإن كرهتها نفسه وشقت عليها، فهذه هي الرحمة الحقيقية. فأرحم الناس من شق عليك في إيصال مصالحك ودفع المضار عنك)

قال نبي الرحمة عن نفسه: (إنما أنا رحمة مهداه) أخرجه الحاكم في المستدرك

كان صلى الله عليه و سلم يقول لأصحابه ( لن تؤمنوا حتى تراحموا، قالوا يا رسول الله كلنا رحيم، قال إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه، ولكنها رحمة العامة) رواه الطبراني

و كان صلى الله عليه و سلم  يقول أيضا  (الراحمون يرحمهم الله، ارحموا من في الأرض، يرحمكم من في السماء) رواه الترمذي (من لا يرحم الناس لا يرحمه الله) رواه مسلم

لما سئلت عائشة  رضي الله عنها عن خلق النبي عليه الصلاة والسلام ، قالت ) كان خلقه القرآن( صحيح مسلم.

صبر صلى الله عليه وسلم على اضطهاد وتعذيب والإيذاء وتجويع وسخرية قومه منه. ومن رحمته  قال في الطائف وهو يُؤذى ويُضرب ويُضطهد: ( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون).

ذكر أسامة بن زيد رضي الله عنه ، أحد الصحابة المقربين منه، قال: (كنا عند النبي صلى الله عليه و سلم ، فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه، وتخبره أن صبياً لها، أو ابناً لها في الموت، فقال الرسول صلى الله عليه و سلم ، أرجع إليها فاخبرها أن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبر ولتحتسب، فعاد الشخص وقال للنبي صلى الله عليه و سلم : إنها قد أقسمت لتأتينها.قال فقام النبي صلى الله عليه و سلم ، وقام معه سعد بن عبادة  ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما ، وانطلقت معهم، فرفع إليه الصبي ونفسه تقعقع كأنها في شنة الشنة ( و هو صوت قربة الماء )، ففاضت عينا الرسولصلى الله عليه و سلم ، فقال سعد، ما هذا يا رسول الله ؟ قال هذه رحمة جعلها الله تعالى في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء) صحيح مسلم

نورد  شهادتين لاثنين من كبار زعماء العرب الذين كانوا من أشد خصوم نبي الرحمة صلى الله عليه و سلم ، وقد شهدا هذه الشهادة قبل إسلامهما، وهما أبو سفيان بن حرب وعروة بن مسعود الثقفي.

فقد قال الأول: (ما رأيت من الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمدا، أما عروة الثقفي فقد قال : ما نصه  وهو يخاطب قريشاً : والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله ما رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه مثل ما يعظم أصحاب محمد محمداً) رواه البخاري و هذا الأقرع بن حابس، أحد زعماء قبيلة بني تميم، وهو من الشخصيات المعروفة في عصره، دخل على نبي الرحمة صلى الله عليه و سلم  محمد يوماً في حاجة له، وكان بين يدي النبي صلى الله عليه و سلم  طفل كان النبي  صلى الله عليه و سلم  يقبله ويحنو عليه، فتعجب الأقرع من هذا التصرف، وكأنه استنكره حين قال للنبي: أتقبلون أطفالكم؟ إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً. نظر النبي  صلى الله عليه و سلم  إليه، ووبخه، وكان مما قاله له، من لا يَرحم لا يُرحم، وقال له: أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة  ) رواه البخاري  هاهم ثلاثة أطفال، أبناء عمه العباس وهم: عبد الله ، وعبيد الله،وكثير، كان صلى الله عليه و سلم  يصفُّهم صفاً على مسافة منه، ثم يدعوهم للسباق، ويقول لهم: (من سبق إليَّ فله كذا وكذا، فيسبقون إليه فيقعون على ظهر النبي صلى الله عليه و سلم  وصدره ، فيحتضنهم ويقبلهم )رواه الإمام أحمد في مسنده  ذكر صاحبه الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه و سلم  في سفر، فانطلق الرسول لحاجته، فرأينا حمرّة معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تُفرِّش، فجاء النبي صلى الله عليه و سلم  فقال: من فجع هذه بولديها؟ ردوا ولديها إليها. ) رواه أبو داود

قوله لأصحابه: (من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث ، وإن أربع فخامس أو سادس، فيأخذ الصحابة بعضهم، ومن بقي منهم يصطحبهم النبي صلى الله عليه و سلم  إلى داره ، فيتعشون معه ) رواه البخاري قال صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"،

فهذا عمرو بن عبسة السلمي، جاء إلى نبي الرحمة  صلى الله عليه و سلم  ، في بداية الدعوة، فأسلم وعرض على النبي صلى الله عليه و سلم  أن يبقى معه يسانده، فقال له النبي صلى الله عليه و سلم  ، رحمةً به، وتخفيفاً عنه (إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي، وحال الناس؟ ولكن ارجع إلى أهلك، فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني) لقد أثمرت الرحمة هذه ، فقد حفظ الرجل للنبي صلى الله عليه و سلم   حرصه عليه، ورحمته به، فلما هاجر النبي صلى الله عليه و سلم  إلى المدينة، وأقام دولة، جاء هذا الرجل، فدخل عليه، وقال له، هل عرفتني، قال له النبي صلى الله عليه و سلم  ، نعم أنت الذي لقيتني بمكة  رواه مسلم قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أتى رجل رسول الله صلى الله عليه و سلم   فقال يا رسول الله، إني جئت أريد الجهاد معك، أبتغي وجه الله، والدار الآخرة، ولقد أتيت وإن والدايَّ يبكيان، قال: فارجع إليهما، فأضحكهما كما أبكيتهما ) رواه ابن ماجه يمكن القول بعد هذا، إن نبي الرحمة صلى الله عليه و سلم    قاتل بالرحمة خصومه، وساس بالرحمة أتباعه.

هذا خادمه الملازم له أنس، حين قال: إن النبي  صلى الله عليه و سلم  كان يسمع بكاء الصبي، وهو في الصلاة، فيقرأ بالسورة القصيرة، والسورة الخفيفة)  البخاري أسر المسلمون رجلاً يدعى أبا عزة الجمحي، وكان شاعراً يحارب النبي صلى الله عليه و سلم  بلسانه وسيفه في معركة بدر، فتوسل إلى النبي  صلى الله عليه و سلم  أن يطلق سراحه، ووعده أن لا يعود لقتاله أبداً، فرحم النبي صلى الله عليه و سلم    حاله، وأطلق سراحه، دون أن يأخذ منه فداءً، على عكس ما فعل مع غيره.

حدث بعد سنتين، أن وقع الرجل نفسه أسيراً في غزوة حمراء الأسد ، التي أعقبت غزوة أحد، فعاد يتوسل إلى النبي صلى الله عليه و سلم   ويرجوه أن يطلق سراحه مرة ثانية، فأبى النبي  صلى الله عليه و سلم  وقال له: (والله لا تمسح عارضيك بمكة بعدها، وتقول خدعت محمداً مرتين، وقال له: إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، ثم أمر بقتله )

قال عليه الصلاة والسلام: "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي"

كانت عائشة تغتسل معه صلى الله عليه وسلم من إناءٍ واحد، فيقول لها: (دعي لي)، وتقول له: دع لي.

ومما يذكر أنه كان مع عائشة -رضي الله عنها- التي يحبها كثيراً، يراها تشرب من الكأس فيحرص كل الحرص على أن يشرب من الجهة التي شربت منها، وهي صورة يندر أن يقوم به مدّعو الحب بيننا، إنه حب النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- للصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما ومِن تودّده لها وزيادة في حبها أنه كان يسابقها في وقت الحرب، يطلب من الجيش التقدم لينفرد بأم المؤمنين عائشة ليسابقها ويعيش معها ذلك الحب الزوجي الراقي.. وفي المرض، حين تقترب ساعة اللقاء بربه وروحه تطلع إلى لقاء الرفيق الأعلى، لا يجد نفسه إلا طالباً من زوجاته أن يمكث ساعة احتضاره صلى الله عليه وسلم إلا في بيت عائشة، ليموت ورأسه على صدرها، ذاك حبّ أسمى وأعظم من أن تصفه الكلمات أو تجيش به المشاعر. ومما تذكره كتب السيرة أنه صلى الله عليه وسلم حج بنسائه، فلما كان في بعض الطريق نزل رجل فساق بهن فأسرع، فقال النبي كذلك، سوقك بالقوارير –يعني النساء– فبينما هم يسيرون برك لصفية بنت حيي جملها، وكانت من أحسنهن ظهراً، فبكت وجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين أخبر بذلك، فجعل يمسح دموعها بيده، وجعلت تزداد بكاء وهو ينهاها.

دخل مكة بعشرة آلاف مقاتل، دخل على مركبه، والدرع على صدره، والمغفر على رأسه، والسيف في يده، والنبال على ظهره، ولكنه مع كل مظاهر لباس الحرب هذه كان أنموذجاً للرحمة.
سأل أهل مكة: «ما ترون أني فاعل بكم؟» فأجابوه: "خيراً أخٌ كريمٌ وابن أخ كريم" فقال لهم ما قاله يوسف عليه السلام لإخوته: (لا تثريبَ عليكم اليوم يَغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين) (يوسف: 92) لقد قال لهم: "اذهبوا فأنتم الطُلَقاء".

ويقول (مايكل هارت) في كتابه (مائة رجل في التاريخ): "إن اختياري محمداً، ليكون الأول في أهم وأعظم رجال التاريخ، قد يدهش القراء، ولكنه الرجل الوحيد في التاريخ كله الذي نجح أعلى نجاح على المستويين: الديني والدنيويفهناك رُسل وأنبياء وحكماء بدءوا رسالات عظيمة، ولكنهم ماتوا دون إتمامها، كالمسيح في المسيحية، أو شاركهم فيها غيرهم، أو سبقهم إليهم سواهم، كموسى في اليهودية، ولكن محمداً هو الوحيد الذي أتم رسالته الدينية، وتحددت أحكامها، وآمنت بها شعوب بأسرها في حياته. ولأنه أقام جانب الدين دولة جديدة، فإنه في هذا المجال الدنيوي أيضاً، وحّد القبائل في شعـب، والشعوب في أمة، ووضع لها كل أسس حياتها، ورسم أمور دنياها، ووضعها في موضع الانطلاق إلى العالم. أيضاً في حياته، فهو الذي بدأ الرسالة الدينية والدنيوية، وأتمها"..

ويقول الدكتور (شبرك) النمساوي: "إنّ البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد إليها، إذ إنّه رغم أُمّيته، استطاع قبل بضعة عشر قرنًا أنْ يأتي بتشريع، سنكونُ نحنُ الأوروبيين أسعد ما نكون، إذا توصلنا إلى قمّته".

لقد أبرم معاهدات مع وفد نجران، ومع مجوس هجر وتبالة وجرش، ومع بعض القبائل العربية كما سيأتي في العهد المدني، وقد حدد حقوق الجوار لكل طرف.

قال المستشرق الفرنسي مارسيل بوازار: حاول الإسلام منذ القرن السابع للميلاد أن يقدم حلاً لمشكلة الأقليات فريداً من نوعه. وتستحق جماعة غير المسلمين على أرض الإسلام أن تُتناول بالتحليل, لأنه ثبت أنها نهج لا مثيل له.

قال المستشرق الأمريكي أدوين كالغرلي: احتفظ المسلمون للأقليات غير المسلمة في البلاد التي فتحوها بحقوقهم وامتيازاتهم الدينية

هذا هو محمد النبي -صلى الله عليه وسلم- وهذه رحمته التي شملت كل الناس

و نختم بدعاء بنبي الرحمة الذي كان يقول  : ( اللهم أصلح لي ديني الذي فيه عصمة أمري, وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي, وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي ...)

Créer un site gratuit avec e-monsite - Signaler un contenu illicite sur ce site

×