الاستخلاف في القرآن الكريم

yana9564-1.gif

الاستخلاف في القرآن الكريم

 ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) 30 - 34   البقرة

هذا شروع في ذكر فضل آدم عليه السلام أبي البشر أن الله حين أراد خلقه أخبر الملائكة بذلك, وأن الله مستخلفه في الأرض.

فقالت الملائكة عليهم السلام: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا } بالمعاصي { وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ } [و]هذا تخصيص بعد تعميم, لبيان [شدة] مفسدة القتل، وهذا بحسب ظنهم أن الخليفة المجعول في الأرض سيحدث منه ذلك, فنزهوا الباري عن ذلك, وعظموه, وأخبروا أنهم قائمون بعبادة الله على وجه خال من المفسدة فقالوا: { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ } أي: ننزهك التنزيه اللائق بحمدك وجلالك، { وَنُقَدِّسُ لَكَ } يحتمل أن معناها: ونقدسك, فتكون اللام مفيدة للتخصيص والإخلاص، ويحتمل أن يكون: ونقدس لك أنفسنا، أي: نطهرها بالأخلاق الجميلة, كمحبة الله وخشيته وتعظيمه, ونطهرها من الأخلاق الرذيلة.

قال الله تعالى للملائكة: { إِنِّي أَعْلَمُ } من هذا الخليفة { مَا لَا تَعْلَمُونَ } ؛ لأن كلامكم بحسب ما ظننتم, وأنا عالم بالظواهر والسرائر, وأعلم أن الخير الحاصل بخلق هذا الخليفة, أضعاف أضعاف ما في ضمن ذلك من الشر فلو لم يكن في ذلك, إلا أن الله تعالى أراد أن يجتبي منهم الأنبياء والصديقين, والشهداء والصالحين, ولتظهر آياته للخلق, ويحصل من العبوديات التي لم تكن تحصل بدون خلق هذا الخليفة, كالجهاد وغيره, وليظهر ما كمن في غرائز بني آدم من الخير والشر بالامتحان, وليتبين عدوه من وليه, وحزبه من حربه, وليظهر ما كمن في نفس إبليس من الشر الذي انطوى عليه, واتصف به, فهذه حكم عظيمة, يكفي بعضها في ذلك.

ثم لما كان قول الملائكة عليهم السلام, فيه إشارة إلى فضلهم على الخليفة الذي يجعله الله في الأرض, أراد الله تعالى, أن يبين لهم من فضل آدم, ما يعرفون به فضله, وكمال حكمة الله وعلمه فـ { عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا } أي: أسماء الأشياء, وما هو مسمى بها، فعلمه الاسم والمسمى, أي: الألفاظ والمعاني, حتى المكبر من الأسماء كالقصعة، والمصغر كالقصيعة.

{ ثُمَّ عَرَضَهُمْ } أي: عرض المسميات { عَلَى الْمَلَائِكَةِ } امتحانا لهم, هل يعرفونها أم لا؟.

{ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } في قولكم وظنكم, أنكم أفضل من هذا الخليفة.

{ قَالُوا سُبْحَانَكَ } أي: ننزهك من الاعتراض منا عليك, ومخالفة أمرك. { لَا عِلْمَ لَنَا } بوجه من الوجوه { إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا } إياه, فضلا منك وجودا، { إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ } العليم الذي أحاط علما بكل شيء, فلا يغيب عنه ولا يعزب مثقال ذرة في السماوات والأرض, ولا أصغر من ذلك ولا أكبر.

الحكيم: من له الحكمة التامة التي لا يخرج عنها مخلوق, ولا يشذ عنها مأمور، فما خلق شيئا إلا لحكمة: ولا أمر بشيء إلا لحكمة، والحكمة: وضع الشيء في موضعه اللائق به، فأقروا, واعترفوا بعلم الله وحكمته, وقصورهم عن معرفة أدنى شيء، واعترافهم بفضل الله عليهم; وتعليمه إياهم ما لا يعلمون.

فحينئذ قال الله: { يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ } أي: أسماء المسميات التي عرضها الله على الملائكة; فعجزوا عنها، { فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ } تبين للملائكة فضل آدم عليهم; وحكمة الباري وعلمه في استخلاف هذا الخليفة، { قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } وهو ما غاب عنا; فلم نشاهده، فإذا كان عالما بالغيب; فالشهادة من باب أولى، { وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ } أي: تظهرون { وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ }

ثم أمرهم تعالى بالسجود لآدم; إكراما له وتعظيما; وعبودية لله تعالى، فامتثلوا أمر الله; وبادروا كلهم بالسجود، { إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى } امتنع عن السجود; واستكبر عن أمر الله وعلى آدم، قال: { أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا } وهذا الإباء منه والاستكبار; نتيجة الكفر الذي هو منطو عليه; فتبينت حينئذ عداوته لله ولآدم وكفره واستكباره.

وفي هذه الآيات من العبر والآيات; إثبات الكلام لله تعالى; وأنه لم يزل متكلما; يقول ما شاء; ويتكلم بما شاء; وأنه عليم حكيم، وفيه أن العبد إذا خفيت عليه حكمة الله في بعض المخلوقات والمأمورات فالوجب عليه; التسليم; واتهام عقله; والإقرار لله بالحكمة، وفيه اعتناء الله بشأن الملائكة; وإحسانه بهم; بتعليمهم ما جهلوا; وتنبيههم على ما لم يعلموه.

وفيه فضيلة العلم من وجوه:

منها: أن الله تعرف لملائكته; بعلمه وحكمته ، ومنها: أن الله عرفهم فضل آدم بالعلم; وأنه أفضل صفة تكون في العبد، ومنها: أن الله أمرهم بالسجود لآدم; إكراما له; لما بان فضل علمه، ومنها: أن الامتحان للغير; إذا عجزوا عما امتحنوا به; ثم عرفه صاحب الفضيلة; فهو أكمل مما عرفه ابتداء، ومنها: الاعتبار بحال أبوي الإنس والجن; وبيان فضل آدم; وأفضال الله عليه; وعداوة إبليس له; إلى غير ذلك من العبر.

{ 35 - 36 } { وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ }

لما خلق الله آدم وفضله; أتم نعمته عليه; بأن خلق منه زوجة ليسكن إليها; ويستأنس بها; وأمرهما بسكنى الجنة; والأكل منها رغدا; أي: واسعا هنيئا، { حَيْثُ شِئْتُمَا } أي: من أصناف الثمار والفواكه; وقال الله له: { إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى }

{ وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ } نوع من أنواع شجر الجنة; الله أعلم بها، وإنما نهاهما عنها امتحانا وابتلاء [أو لحكمة غير معلومة لنا] { فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ } دل على أن النهي للتحريم; لأنه رتب عليه الظلم.

فلم يزل عدوهما يوسوس لهما ويزين لهما تناول ما نهيا عنه; حتى أزلهما، أي: حملهما على الزلل بتزيينه. { وَقَاسَمَهُمَا } بالله { إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ } فاغترا به وأطاعاه; فأخرجهما مما كانا فيه من النعيم والرغد; وأهبطوا إلى دار التعب والنصب والمجاهدة.

{ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } أي: آدم وذريته; أعداء لإبليس وذريته، ومن المعلوم أن العدو; يجد ويجتهد في ضرر عدوه وإيصال الشر إليه بكل طريق; وحرمانه الخير بكل طريق، ففي ضمن هذا, تحذير بني آدم من الشيطان كما قال تعالى { إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ } { أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا }

ثم ذكر منتهى الإهباط إلى الأرض، فقال: { وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ } أي: مسكن وقرار، { وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ } انقضاء آجالكم, ثم تنتقلون منها للدار التي خلقتم لها, وخلقت لكم، ففيها أن مدة هذه الحياة, مؤقتة عارضة, ليست مسكنا حقيقيا, وإنما هي معبر يتزود منها لتلك الدار, ولا تعمر للاستقرار.

{ 37 } { فَتَلَقَّى آدَمُ }

{ فَتَلَقَّى آدَمُ } أي: تلقف وتلقن, وألهمه الله { مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ } وهي قوله: { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا } الآية، فاعترف بذنبه وسأل الله مغفرته { فَتَابَ } الله { عَلَيْهِ } ورحمه { إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ } لمن تاب إليه وأناب.

وتوبته نوعان: توفيقه أولا, ثم قبوله للتوبة إذا اجتمعت شروطها ثانيا.

{ الرَّحِيمِ } بعباده, ومن رحمته بهم, أن وفقهم للتوبة, وعفا عنهم وصفح.

{ 38 - 39 } { قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }

كرر الإهباط, ليرتب عليه ما ذكر وهو قوله: { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى } أي: أيَّ وقت وزمان جاءكم مني -يا معشر الثقلين- هدى, أي: رسول وكتاب يهديكم لما يقربكم مني, ويدنيكم مني; ويدنيكم من رضائي، { فمن تبع هداي } منكم, بأن آمن برسلي وكتبي, واهتدى بهم, وذلك بتصديق جميع أخبار الرسل والكتب, والامتثال للأمر والاجتناب للنهي، { فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ }

وفي الآية الأخرى: { فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى }

فرتب على اتباع هداه أربعة أشياء:

نفي الخوف والحزن والفرق بينهما, أن المكروه إن كان قد مضى, أحدث الحزن, وإن كان منتظرا, أحدث الخوف، فنفاهما عمن اتبع هداه وإذا انتفيا, حصل ضدهما, وهو الأمن التام، وكذلك نفي الضلال والشقاء عمن اتبع هداه وإذا انتفيا ثبت ضدهما، وهو الهدى والسعادة، فمن اتبع هداه, حصل له الأمن والسعادة الدنيوية والأخروية والهدى، وانتفى عنه كل مكروه, من الخوف, والحزن, والضلال, والشقاء، فحصل له المرغوب, واندفع عنه المرهوب، وهذا عكس من لم يتبع هداه, فكفر به, وكذب بآياته.

فـ { أولئك أصحاب النار } أي: الملازمون لها, ملازمة الصاحب لصاحبه, والغريم لغريمه، { هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } لا يخرجون منها، ولا يفتر عنهم العذاب ولا هم ينصرون.

وفي هذه الآيات وما أشبهها, انقسام الخلق من الجن والإنس, إلى أهل السعادة, وأهل الشقاوة, وفيها صفات الفريقين والأعمال الموجبة لذلك، وأن الجن كالإنس في الثواب والعقاب, كما أنهم مثلهم, في الأمر والنهي.

تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان : المـؤلـف:عبدالرحمن بن ناصر السعدي

الشيخ محمد عبده نفسه ايضاً حيث يقول : (وما ذلك الحوار في الآيات فهو شأن من شؤون اللّه مع ملائكته صوره لنا في هذه الفصول بالقول والمراجعة والسؤال والجواب ونحن لا نعرف حقيقة ذلك القول. ولكننا نعلم انه ليس كما يكون منا. وان هناك معانٍ قصدت افادتها بهذه العبارات وهي عبارة عن شأن من شؤونه تعالى قبل خلق آدم وانه كان يعد له الكون او شأن مع الملائكة يتعلق بخلق نوع الانسان وشأن آخر في بيان كرامة هذا النوع وفضله)

القصة بمواقفها المختلفة انما جاءت على شكل التمثيل ومحاولة تقريب النشأة الآدمية الانسانية واهميتها وفضيلتها. وان جميع المواقف والمفاهيم التي جاءت فيها يمكن تحديد المعاني والاهداف التي قصدت منها.

فالرأي الأول والثاني وان كانا يلتقيان في حقيقة تنزيه اللّه سبحانه وتعالى وعالم الغيب عن مشابهة المخلوقات المادية المحسوسة

بذكر الفوائد الدينية التي تترتب على ذكر القرآن لهذا المقطع القرآني المتشابه.

وقد اشار الشيخ محمد عبده الى بعض هذه الفوائد. ونكتفي بذكر فائدتين منها :

- الاول :

ان اللّه سبحانه وتعالى في عظمته وجلاله يرضى لعبيده أن يسألوه عن حكمته في صنعه وما يخفى عليهم من اسراره في خلقه.

- الثانية : ان اللّه سبحانه لطيف بعباده رحيم بهم يعمل على معالجتهم بوجوه اللطف والرحمة فهو يهدي الملائكة في حيرتهم ويجيبهم على سؤالهم عندما يطلبون الدليل والحجة بعد ان يرشدهم الى واجبهم من الخضوع والتسليم : (اني اعلم ما لا تعلمون وعلّم آدم الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة....)

واما الخلف فقد حاولوا ايضاح المفاهيم التي وردت في هذا المقطع القرآني ليتجلى بذلك معنى استخلاف اللّه سبحانه وتعالى لآدم. وسوف نعرض هنا اهم هذه المفاهيم المرتبطة بقضية الاستخلاف مع ذكر الآراء المختلفة فيها ثم نتحدث عن المعنى العام للمقطع القرآني.

1 - الخلافة :

الخليفة بحسب اللغة : من خلف من كان قبله وقام مقامه. فلماذا سمي آدم خليفة ؟ توجد هنا عدة آراء:

- الاول : ان آدم سمي خليفة لانه خلف مخلوقات اللّه سبحانه في الارض وهذه المخلوقات اما ان تكون ملائكة او يكونوا الجن الذين أفسدوا في الارض وسفكوا فيها الدماء كما روي عن ابن عباس. او يكونوا آدميين آخرين قبل آدم هذا.

- الثاني : انه سمي خليفة لانه وابناءه يخلف بعضهم بعضاً فهم مخلوقات تتناسل ويخلف بعضها البعض الآخر. وقد نسب هذا الرأي الى الحسن البصري.

- الثالث : انه سمي خليفة لانه يخلف اللّه سبحانه في الارض. وفي تفسير هذه الخلافة لله سبحانه وارتباطها بالمعنى اللغوي تعددت الآراء واختلفت :

أ - انه يخلف الله في الحكم والفصل بين الخلق.

ب - يخلف اللّه سبحانه في عمارة الارض واستثمارها من انبات الزرع واخراج الثمار وشق الانهار وغير ذلك(2).

ج - يخلف الله سبحانه في العلم بالاسماء كما ذهب الى ذلك العلامة الطباطبائي(3).

د - يخلف اللّه سبحانه في الارض بما وهبه الله من قوة غير محدودة سواء في قابليتها او شهواتها او علومها. كما ذهب الى ذلك الشيخ محمد عبده(4).

- الاسماء :

والاسماء من المفاهيم التي وقع الخلاف فيها بين علماء التفسير حول حقيقتها والمراد منها والآراء فيها تسير في الاتجاهين التاليين :

- الاول : ان المراد من الاسماء الالفاظ التي سمى الله سبحانه بها من خلقه من اجناس وانواع المحدثات وفي جميع اللغات. وهذا الرأي هو المذهب السائد عند علماء التفسير ونسب الى ابن عباس وبعض التابعين(9).

وينطلق اصحاب هذا المذهب في تفكيرهم الى ان الله سبحانه كان قد علم آدم جميع اللغات الرئيسية. وقد كان ولده على هذه المعرفة ثم تشعبت بعد ذلك واختص كل جماعة منهم بلغة غير لغة الجماعة الاخرى.

- الثاني :

ان المراد من الاسماء : المسميات او صفاتها وخصائصها لا الالفاظ وحينئذ فنحن بحاجة الى القرينة القرآنية أو العقلية التي تصرف اللفظ الى هذا المعنى الذي قد يبدو انه يخالف ظاهر الاطلاق القرآني. ويمكن ان نتصور هذه القرينة في الامور التالية :

أ - ان العلم الحقيقي انما هو ادراك المعلومات انفسها والالفاظ الدالة عليها تختلف باختلاف اللغات التي تجري بالمواضعة والاصطلاح فهي تتغير وتختلف والمعنى لا تغيير فيه ولا اختلاف.

ب - ان الاسماء حين يقصد منها الالفاظ واللغات فهي اذن من الاشياء التي لا يمكن تحصيلها الا بالتعليم فلا يحسن تحدي الملائكة بها، اذ لا دلالة على وجود موهبة خاصة في لم يتمكن بها من معرفة الاسماء. وهذا على خلاف ما اذا قلنا ان المقصود منها المسميات فانها مما يمكن ادراكه ولو جزئياً - عن طريق استعمال العقل والذهن - فيكون لمعرفة آدم بها دلالة على موهبة خاصة منحه اللّه اياها.
فاستخلاف الإنسان ، يعني تحميله جملة من الفضائل ، كالمسؤولية والحرية والإخلاص لله ، والتلاؤم مع نواميسه ، وسننه ، حتى تنشأ فكرة الخلافة ، لتغذية تلك الفضائل ، وإعلاء شأنها ، وإعلان الولاء لله وحده ، دون الأرباب المزيفين .
وإذا ما استعرضنا كل المفردات القرآنية المنبثقة عن الخلافة ، تأكدنا من خلال المعنى المعطى للعبارة ، أبعادها الأخلاقية والروحية والسياسية . جاء في تفسير مفردات القرآن الكريم لسميح عاطف الدين ما يلي :
خلف فلان فلاناً قام بالأمر عنه ، والخلافة النيابة عن الغير ، وجاءت في القرآن لتشريف المستخلف .. استخلف الله أولياءه في الأرض


(هو الذي جعلكم خلائف في الأرض ) فاطر:39

( ويستخلف ربي قوماً غيركم ) هود:57

( وهو الذي جعلكم خلائف الأرض )الأنعام:165

والخلائف جمع خليفة ، أما خلفاء فجمع خليف:

( وجعلناهم خلائف ) يونس:73

( واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ) الأعراف:69


( واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض ) الأعراف:74

( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض ) النمل:62

( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ) النور:55

(إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء ) الأنعام:133

( ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ) النور:55

( قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض ) الأعراف:129

( يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ) ص:2
ومن اليسير على المؤمن قاريء هذه الآيات النوارنية ، أن يستخلص الحكمة الإلهية المستوفاة من معنى الخلافة والاستخلاف . ففي كل الآيات ترد العبارة المشتقة من الأصل (خ ل ف) مقترنة بالتمكين في الأرض ، أي بما نسميه اليوم ممارسة الحكم ، أو القيام بشؤون السلطة .



Créer un site gratuit avec e-monsite - Signaler un contenu illicite sur ce site