العبادة في الإسلام

yana9564-2.gif

العبادة في الإسلام

العبادة لغة و اصطلاحا :

أصل العبادة في اللغة هي الطاعة والخضوع والتذلل كما قال الجوهري فالعبادة هي  اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطن والظاهرة.إن العبادة في الشريعة الإسلامية هي الهدف الأساسي من خلق الإنسان، يقول ابن كثير رحمه الله تعالى عند تفسيره لقوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} "والعبادة في اللغة: من الذلة. يقال طريق معبد أي: مذلل، وفي الشرع: عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع، والخوف. و من هذا التعريف نتبين أن العبادة في الإسلام مفهوم واسع شامل ، ذكرها الله سبحانه وتعالى في معرض بيان وظيفة الإنسان في هذه الحياة ، فحصر فيها حياته ، وجعلها الغاية من خلقه. يقول بن تيمية في رسالته العبودية : ( العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة فالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث والأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد للكفار والمنافقين والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك من العبادة. وكذلك حب الله ورسوله وخشية الله والإنابة إليه وإخلاص الدين له والصبر لحكمه والشكر لنعمه والرضى بقضائه والتوكل عليه والرجاء لرحمته والخوف من عذابه وأمثال ذلك هي من العبادة لله)

تعد العبادة جزءا أساسيا من نظام الإسلام، فهي التي تجعل التصور الإسلامي للوجود حيا في النفوس لجهة نقل هذا التصور من حيز الفكر المجرد إلى حيز التطبيق، ومن منظومة الأوامر والنواهي إلى رحاب العقل والقلب والوجدان فالعبادة في الإسلام لا تنفك تذكر المسلم بموقعه الحقيقي من الوجود،وبخلافته في الأرض و هذا يعنى أن العبادة تربط صاحبها بحياته وواقعه، بإنسانيته وغايته، بمبدأ وجوده ومنتهى بشريته.

الأعمال عبادة في الإسلام
قال تعالى: " َيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ " سورة الحج الآية 77
أسبغ الإسلام على جميع أعمال الإنسان - تقريبا - صفة العبادة، شريطة إخلاص النية لله تعالى

في الحديث الشريف : ( وفي بضع أحدكم صدقة ) قالوا : يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ قال : ( أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر )

قال سبحانه في سورة الذاريات الآية 56 (  وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ )

فالمسلم عبد الله في كل تحرك وسكون و هذا معنى قوله تعالى في سورة الأنعام الآية 162 ( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. )

تنقسم الأعمال في الإسلام إلى نوعين رئيسين :
أ- العبادات :  وهي الشعائر وفروض العبادة ، مثل الصلاة والزكاة والصوم والحج.
ب- المعاملات : وتشمل كل أنشطة الحياة المتعلقة بالفرد أو الأسرة أو المجتمع أو الأمة الإسلامية ككل ، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو ثقافية أو قضائية أو أخلاقية ... إقليمية أو عالمية.
المعاملات حين تؤدي امتثالا لشرع الله تتحول إلى لون من العبادة بمعناها العام.

من خصائص العبادة في الإسلام

من خصائص العبادة في الإسلام أنها  واسطة بين العبد وربه عند تأديتها ، فلا حاجة إلى توسيط رهبان ولا دجالين ولا شفعاء قال تعالى : "وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ” .

الشمول : ويتجلى في جانبين :

 

الأول : في أنواع العبادة ، فقد شملت العبادة جميع أفعال الإنسان القلبية والقولية والجسدية ، سواء ما يتعلق بعلاقة العبد بربه أو بما سواه من البشر أفرادا وجماعات . قال صلى الله عليه وسلم الإيمان بضع وسبعون شعبة ، أعلاها قول : لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان

الثاني : في جانب القائمين بها ، فإن العبادة تشمل جميع طبقات المجتمع وفئاته ، لا تختص بطبقة أو فئة دون أخرى ، ولذا جاء الخطاب بها عاما شاملا

اليسر والسهولة :

كذلك تختص العبادة في الإسلام باليسر والسهولة ؛ لأنها من وضع الرؤوف الرحيم ، ولأنها شرعت من أجل إسعاد الإنسان في الدنيا والآخرة . قال صلى الله عليه وسلم إن الدين يسر ، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه  وقال صلى الله عليه وسلم  بعثت بالحنيفية السمحة

التنوع :

والمراد بذلك : أن الشارع قد نوع العبادة إلى أنواع متعددة من حيث حكمها تبعا لأقسام الحكم التكليفي ، فمنها الواجب ، ومنها الحرام ، ومنها المندوب ، ومنها المكروه ، ومنها المباح . وذلك توسعة على العباد ، ومراعاة لأحوال نشاطهم وكسلهم من جهة ، وزيادة في الامتحان من جهة أخرى ، ففي المباحات توسعة على العباد ، وفي المندوب والمكروه تخفيفا عنهم وزيادة في الاختبار

العبادات التي يتحقق التوحيد بها

العبادات التي يتحقق التوحيد بها أرجعها البعض إلى أربعة وهي  :

1- عبادات قلبية

2- عبادات قولية

3-عبادات بدنية

4-عبادات مالية

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:(هَلْ تَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا -يَا رَسُولَ اللَّهِ- مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ، قـَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي: مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصِيَامٍ وَصَلاةٍ وَزَكَاةٍ, وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا, وَقَذَفَ هَذَا, وَأَكَلَ مَالَ هَذَا, فَيُقْعَدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ, فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا, أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ, ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ)

 عَنْ أَبِي هُرَيــْرَةَ قَالَ:( قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّ فُلانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا, غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: هِيَ فِي النَّارِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, فَإِنَّ فُلانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلاتِهَا, وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالأَثْوَارِ مِنَ الأَقِطِ, وَلا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: هِيَ فِي الْجَنَّةِ )

قَالَ حُذَيْفَةُ: ( سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ ) أي النمام.

و يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: ( اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ) أخرجه الترمذي في سننه

من آثار العبادة في حياة الفرد المجتمع

للعبادة في الإسلام آثار كبيرة في حياة الفرد المجتمع ، من أهمها

الطمأنينة والراحة والسعادة : فالعبادة تحقق الطمأنينة والراحة والسعاد الغامرة ، ولذة الإتصال بالله ومناجاته ، قال تعالى : " أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ" ـ الرعد:28 العبادة ضرورة؛ لأنها غذاء للروح، فإذا حُرمت الروح غذاءها أصابها ما يصيب الجسد عند الجوع، فيتخبط ويصيبه الجزع والهلع والانحراف، ولذا يلجأ البعيدون عن الله تعالى إلى كل مسكر حتى ينسوا أنفسهم  

الإعانة على مصاعب الحياة : فالعبادة تشكل محطة يتقوى بها الإنسان على مواجهة مصاعب الحياة ، لأنها تربط الإنسان الضعيف المحتاج بربه الغني القوي ، فيتوجه إليه معظّماً له طالباً العون منه ، قال تعالى :"وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةِ". ـ البقرة:45

هذيب النفس وتربيتها : تهدف العبادة في الإسلام إلى تهذيب النفس وتربيتها على الفضائل ، وتنقيتها من الرزائل ، فالصلاة تربي الإنسان على خشية الله والتعلق بالآخرة ، والزكاة تربية على الكرم والجود والإبتعاد عن مظاهر الشح والبخل ، والصيام يعوَّد الإنسان على الأنضباط والصبر والتحكّم في شهواتهقال تعالى : " إنَّ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ" . ـ العنكبوت:45ـ

تقوية أواصر الترابط الإجتماعي : فللعبادة في الإسلام وظيفة إجتماعية ، تتمثّل في تقوية أواصر الترابط الإجتماعي والمودّة والألفة بين أفراد المجتمع تحرير الإنسان من الخضوع لغير الله سبحانه : تربط العبادة صاحبها بخالق الخلق ، الذي بيده الأمر كلُّه ، فيتحرَّرُ العابد من الخضوع للشهوات والأهواء

إن قصر العبادة في الإسلام على مجرد الشعائر التعبدية، وحصرها في مجرد علاقة العبد بربه، وعدم تعميمها على سائر جوانب الحياة المختلفة، دعوى يدحضها القرآن الكريم، كما قال _تعالى_: "وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ" (النحل: من الآية89)

قال رجل لسلمان الفارسي _رضي الله عنه_: "علّمكم نبيكم حتى الخراءة – يعني: آداب قضاء الحاجة – قال سلمان: أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول أو أن نستنجي باليمين أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار أو أن نستنجي برجيع أو بعظم" خرّجه مسلم

في حديث أبي الدرداء _رضي الله عنه_ أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ قال: "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة"؟ قالوا: بلى. قال: "صلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة" خرّجه الترمذي

وفي حديث كعب بن عجرة قال: مرَّ على النبي _صلى الله عليه وسلم_ رجل، فرأى أصحاب رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ من جَلَدِه ونشاطه، فقالوا: يا رسول الله! لو كان هذا في سبيل الله؟ فقال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "إنْ كان خرج يسعى على ولده صِغاراً فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفّها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياءً ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان" رواه الطبراني

و خلاصة القول أن العبادة تغذي القلب بمراقبة الله والتدبر في آياته، وتربي الوجدان على الحس الرفيع الذي يعشق الحق والفضيلة وينفر من الباطل والرذيلة، وتربي الجسد على السلوك الحسن، وتربي النفس على الانضباط والنظام والدقة في أداء العمل, كما أن فيها راحة وسكينة للنفس وبهجة للقلب وقوة في العقل وسمو للروح وصحة للبدن، وهي سبيل للنجاة عند الله              إن ضعف مشاعر العبادة لدى بعض المسلمين يعود إلى ضعف التصورات الإيمانية ، وذك لأن العباة تمثل ردود أفعال في النفس تجاه التصورات الإيمانية فكلما قويت تلك التصورات في النفس قويت معها مشاعر العبادة والعكس صحيح.


Créer un site gratuit avec e-monsite - Signaler un contenu illicite sur ce site